محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

284

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

التأثر بالمواعظ والحكم ، كما قيل : إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة * كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر « 1 » وعند ذلك تنتعش نفوسهم ، وتتقوى صفاتها ، وتظهر آثار ذلك على ظواهرهم من التكالب على الدنيا ، والركون إلى من هي عنده من أبنائها المترفين ، وليس لهم ما يتوسلون به إليهم سوى علمهم ، فيحتالون على تحصيل إقبالهم عليهم ، وصرف وجوههم إليهم بالتفنن عندهم بأنواع من الحيل ، ولا يسلمون في ذلك من الرياء والتصنّع والنفاق والدهان ، ويجزهم ذلك إلى أنواع من المحظورات وضروب من العصيان مع ما يحلّ بهم في ذلك من الذل والهوان ، فإذا نالوا ذلك أو بعضه حصل لهم مقصود نفوسهم ، وتمكنوا من جميع حظوظهم ، فخرجوا من الحرية إلى استعباد الأغيار ، واستبدلوا بالجهل النافع العلم الضارّ . وقد قال الفضيل بن عياض : « لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحّوا على دينهم ، وأعزّوا العلم ، وصانوه ، وأنزلوه حيث أنزله اللّه لخضعت لهم رقاب الجبابرة ، وانقاد لهم الناس ، وكانوا لهم تبعا ، وعزّ الإسلام وأهله ، ولكنهم أذلّوا أنفسهم ، ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذ سلمت لهم دنياهم ، فبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيدي الناس ، فذلّوا وهانوا على الناس » انتهى وللّه درّ الشاعر رحمه اللّه ، حيث يقول : يقولون لي : فيك انقباض وإنّما * رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما إذا قيل هذا مورد قلت : قد أرى * ولكن نفس الحرّ تحتمل الظّما وما كلّ برق لاح لي يستفزني * وما كل أهل الأرض أرضاه منعما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي * لأخدم من لاقيت إلّا لأخدما أأغرسه عزّا وأجنيه ذلّة * إذن فاتّباع الجهل قد كان أحزما ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظّموه في النفوس لعظّما ولكن أهانوه فهانوا ، ودنّسوا * محيّاه بالأطماع حتى تجهّما وقال وهب بن منبه رضي اللّه عنه ، لعطاء الخراساني : « كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم ، وكانوا لا يلتفتون إلى دنيا غيرهم ، وكان أهل الدنيا يبذلون لهم دنياهم رغبة في علمهم ، فأصبح أهل العلم فيها اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم ، فأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم » . وقال ذو النون المصري ، رضي اللّه عنه : « كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضا للدنيا ، وتركا لها ، فاليوم يزداد الرجل بعلمه للدنيا حبّا ، ولها طلبا ، وكان الرجل ينفق ماله على علمه ويكسب الرجل اليوم بعلمه مالا ، وكان يرى على طالب العلم زيادة

--> ( 1 ) سبخت الأرض : كان ذات سباخ فهي سبخة ، والسبخة أرض ذات نزّ وملح لا تكاد تنبت .